|
|
من اللحظات الفريدة التي ستبقى معي طالما بقيت مع نفسي، لحظات مشهد الختام من عرض "سكان الكهف " لوليم سارويان الذي ودعنا به المبدع الكبير فواز الساجر أبهى أبناء جيلنا. سنوات كثيرة مرت على ذلك المشهد لكنني استعيده في هذه اللحظة بوضوح مؤلم والغصة طازجة في حلقي كما لو أن الحدث قد جرى امامي لتوه ولا تزال ظلاله تحرق عيني. في لحظة الوداع بعد انتهاء المهلة التي أعطاها رئيس ورشة الهدم ـ الفنان القدير فارس الحلو ـ لسكان المسرح المهجور، تقف الملكة ـ الفنانة المتمكنة دلع الرحبي ـ لتقول بلغة الفن الراقي المنير آخر كلمات في العرض قبيل لحظات من مغادرة الجميع للمسرح ـ الملاذ ـ الكهف الآيل للهدم، تقول: ماأجمل عزف الموسيقا . إنهم يرحلون . أحدهم رحل نهائياً . رحل إلى الأبد ، وسنبقى وحدنا . لكي نبدأ حياتنا من جديد. ينبغي أن نعيش. نعم سيأتي عهد ويعرف الجميع لأي غرض كان هذا كله، ولماذا هذه الآلام. لن تكون هناك أسرار أما الآن فينبغي أن نعيش ... لن أتحدث هنا عن فواز الساجر الذي كان غيابه أشبه بالخديعة، ومايزال موته خسارة فادحة لأصدقائه وطلابه وكل عشاق الجمال في هذا العالم، بل سأتحدث عن صمت فارس الحلو في مشهد الختام، ذلك الصمت المرتبك المنير العطوف المرتعش الذي ترك عطره في قلوب كل المشاهدين في جميع العروض التي رأيتها. أعتقد أن الممثل العظيم هو الذي يعبر بالصمت أكثر مما يعبر بالكلام، وكذلك كان الفارس الحلو . الذي بدا لي منذ البداية ممثلاً مقتدراً يعرف أسرار القلب البشري ويجيد العثور على مساربه الغامضة. لهذا أعلن فرحتي الغامرة بفوز الفنان القدير الفارس الحلو جداً بجائزة أفضل ممثل في مهرجان فالنسيا لسينما حوض البحر الأبيض المتوسط، عن دوره في الفيلم الرابع للمخرج السوري المتمكن سمير ذكرى"علاقات عامة. اعتقد أن الفنان فارس الحلو يملك المقدرة على أداء كل الأدور وكل الأنواع الفنية ، ومن يملكون هذه المقدرة من أبناء جيله يعدون على أصابع اليد الواحدة: أيمن زيدان ، باسم ياخور، سامر المصري، زهير عبد الكريم. تعلمون أن النجاح له ألف أب وأب، أما الفشل فهو غالباً مايولد يتيماً أو بلا نسب! ورغم أن كلامي قد يبدو بمثابة محاولة لإثبات الثابت! إلا أنني منذ أيام "سكان الكهف " كنت ولا أزال أرى فارس الحلو في قلبي نجماً حقيقياً، قبل أن يكرم بجائزة أفضل ممثل في مهرجان فالنسيا الأخير. المفارقة الطريفة هي أن فارس فاز بجائزة أفضل ممثل عن فيلم "علاقات عامة " والحق أنه في هذه الصدفة ما يثير الضحك، ففارس الحلو غشيم أكثر مني في "العلاقات العامة" ولو كان يملك قسطاً من شطارة أبناء جيله في هذا المجال لكان الآن بين النجوم الأكثر رواجاً بكل تأكيد! مبارك أيها الفارس الحلو. |